حرب المستقبل: كيف ستغير الروبوتات الصغيرة والطائرات المسيرة ساحة المعركة؟
تشهد ساحات القتال حول العالم تحولًا جذريًا غير مسبوق، حيث تتحول المع…
تشهد ساحات القتال حول العالم تحولًا جذريًا غير مسبوق، حيث تتحول المع…
شهد الذكاء الاصطناعي خلال العقدين الماضيين طفرة هائلة، انتقل خلالها من الأنظمة التي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات المصنفة إلى نماذج أكثر مرونة قادرة على التعلّم من عدد محدود من الأمثلة. إلا أن التطور الحقيقي جاء مع ظهور مفهوم جديد قلب معادلة التعلم رأسًا على عقب: التعلّم الصفري (Zero-Shot Learning)، الذي يمكّن الآلة من التعرف على أشياء لم تُدرَّب عليها من قبل.
كيف يمكن لنظام أن “يفهم” فئة لم يرها مسبقًا؟ الجواب يكمن في قدرته على تعميم المعرفة وربط المفاهيم ببعضها عبر الفضاءات الدلالية، دون الحاجة إلى بيانات جديدة.
في عصر تُنتج فيه البيانات بسرعات خيالية، لكن تصنيفها يظل مكلفًا وبطيئًا، يقدم التعلم الصفري حلاً عمليًا وذكياً يمهد الطريق لأنظمة ذكاء اصطناعي أكثر استقلالية وعمومية.التعلّم الصفري هو فرع من فروع التعلم الآلي (Machine Learning) يُدرَّب فيه النموذج على مجموعة معينة من الفئات (Classes)، ثم يُطلب منه التعرف على فئات جديدة لم يسبق له رؤيتها أثناء التدريب.
في التعلم التقليدي الخاضع للإشراف (Supervised Learning)، يعتمد النموذج على آلاف الأمثلة المصنفة لكل فئة. أما في التعلّم القليل (Few-Shot Learning)، فيتعلم من عدد ضئيل من الأمثلة. بينما في التعلّم الصفري، لا يرى النموذج أي مثال للفئة المستهدفة، ويعتمد فقط على أوصافها أو سماتها الدلالية ليستنتج معناها.
على سبيل المثال، إذا درّبنا نموذجاً على صور “القطط” و“الكلاب”، ثم قدمنا له وصفاً نصياً لحيوان “الثعلب” بأنه “حيوان ذو فرو أحمر وذيل كثيف”، يمكنه التعرّف على الثعلب في الصور دون أن يكون قد رآه من قبل.
في هذا السياق، يتم اختبار النموذج على فئات مألوفة وغير مألوفة في الوقت نفسه، ما يعكس بيئة العالم الحقيقي، حيث لا يمكن حصر المعرفة في مجموعات مغلقة من المفاهيم.
يستند هذا النوع من التعلم إلى فكرة التمثيلات الدلالية (Semantic Representations)، وهي تمثيلات عددية تُحوِّل المعاني إلى فضاء رياضي يمكن للآلة التعامل معه.
بدلاً من أن يحفظ النموذج صور الفئات كما هي، يتعلم الخصائص التي تميز كل فئة — مثلاً أن “الكلب” له أربعة أرجل وذيل وأنه حيوان أليف.
هذه التمثيلات تُمكِّن النماذج من نقل المعرفة (Knowledge Transfer) من الفئات المعروفة إلى الفئات الجديدة، عبر ما يسمى بـ الفضاء المشترك (Shared Embedding Space) — بيئة رياضية موحدة تجمع الصور والنصوص والمفاهيم ضمن نظام واحد من العلاقات.
بهذه الطريقة، لا يحتاج النموذج إلى مشاهدة الفئة فعليًا ليعرفها، بل يكفيه فهم أوصافها النصية أو خصائصها المفهومية.
يتعلم النموذج من بيانات مألوفة وموصوفة دلاليًا (مثلاً: صور القطط، الكلاب، الطيور، مع أوصافها اللغوية).
خلال هذه المرحلة، يتعلم النظام ربط السمات البصرية بالوصف اللغوي في فضاء دلالي واحد.
عندما يواجه النموذج فئة جديدة (مثلاً “الثعلب”)، لا يبحث عن مثال مرئي سابق، بل يقارن وصفها النصي بالتمثيلات الدلالية الموجودة لديه.
يستخدم مقاييس مثل تشابه جيب التمام (Cosine Similarity) لتحديد مدى قرب الفئة الجديدة من المفاهيم المعروفة، وبالتالي يصنفها بدقة معقولة دون بيانات تدريب مباشرة.
كما يمكن للإنسان أن يتعرف على “الوحيد القرن” رغم أنه لم يره من قبل، اعتمادًا على وصفه اللفظي، كذلك تفعل خوارزميات التعلم الصفري مع المفاهيم الجديدة.
مثل GPT وPaLM، تمتلك هذه النماذج قدرة فطرية على التعلم الصفري، لأنها مبرمجة على فهم العلاقات الدلالية بين الكلمات. فعندما تُعطى وصفًا لمفهوم جديد، تستطيع توليد استنتاجات منطقية عنه دون تدريب مخصص.
نماذج مثل CLIP و BLIP و Flamingo دمجت بين النص والصورة، بحيث يمكنها تفسير ما تراه بلغة بشرية. هذه النماذج تمثل حجر الزاوية في التطور نحو أنظمة يمكنها "فهم" العالم بصريًا ولغويًا في آن واحد.
معماريات التحويل (مثل BERT وViT) تعتمد على آلية الانتباه (Attention Mechanism)، التي تسمح للنموذج بفهم العلاقات السياقية بين العناصر. هذه التقنية ساهمت بشكل كبير في جعل التعلّم الصفري ممكنًا عبر مجالات مختلفة من النص إلى الصورة إلى الصوت.
يُستخدم التعلم الصفري في أنظمة الرؤية الحاسوبية للتعرف على كائنات لم يتم تدريبها مسبقًا. على سبيل المثال، أنظمة مراقبة الحياة البرية يمكنها اكتشاف أنواع جديدة من الحيوانات النادرة استنادًا إلى وصفها النصي فقط.
يتيح التعلم الصفري للنماذج اللغوية ترجمة لغات لم تُدرَّب عليها مباشرة، عبر استنتاج المعاني من العلاقات بين اللغات المماثلة — كما في تجارب Google على الترجمة بين لغات نادرة.
في معالجة اللغة الطبيعية، يمكن للنماذج تحليل مشاعر نصوص من مجالات جديدة (مثل مراجعات منتجات لم تُدرّب عليها) بالاعتماد على معرفتها السابقة بالبنية اللغوية.
أنظمة مثل ChatGPT و Gemini تستفيد من التعلّم الصفري للتعامل مع أسئلة ومواضيع لم تكن ضمن بياناتها الأصلية، مما يجعلها أكثر مرونة وتكيفًا مع السياقات الجديدة.
في التطبيقات الطبية، يمكن للتعلم الصفري تصنيف أمراض نادرة أو اكتشاف طفرات وراثية جديدة دون بيانات تدريب كافية، مما يقلل الحاجة إلى مجموعات بيانات ضخمة يصعب الحصول عليها.
يُعتبر التعلّم الصفري خطوة مركزية نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام (AGI) — أي الأنظمة القادرة على التعلم الذاتي في أي مجال دون تدريب مخصص.
يشبه هذا النوع من التعلم الطريقة التي يدرك بها الإنسان المفاهيم الجديدة عبر الوصف أو السياق، دون الحاجة لتجارب مباشرة.
يمكّن النماذج من تكوين تصورات مفاهيمية، أي فهم ما وراء الظواهر بدلاً من حفظ أنماط سطحية فقط.
بما أنه يقلل الاعتماد على البيانات المصنفة، فإنه يخفض التكاليف الزمنية والمادية لتدريب الأنظمة الذكية.
النماذج تميل إلى تفضيل الفئات المألوفة على غير المرئية، مما يؤدي إلى أخطاء في التصنيف ضمن بيئات متعددة الفئات.
قد تفشل النماذج في فهم السياق الكامل أو العلاقات المعقدة بين المفاهيم، خصوصًا في النصوص المتعددة المعاني.
زيادة القدرة على التعميم قد تقلل الدقة في الفئات المعروفة، والعكس صحيح — وهو تحدٍ مستمر في تصميم النماذج.
أحيانًا تولّد النماذج أوصافًا غير واقعية أو غير منطقية للفئات الجديدة، وهي ظاهرة تُعرف بـ"الهلوسة" (Hallucination).
في مجالات مثل الطب أو الأمن، قد يؤدي سوء التعميم إلى نتائج خطيرة إذا لم تُراجع القرارات البشرية.
من المتوقع أيضًا الانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا تعرف بـ التعلّم التعميمي (Generalization Learning)، حيث لا تكتفي النماذج بتصنيف المفاهيم الجديدة، بل تبدأ في التفكير الرمزي واستنتاج القواعد العامة التي تحكم العلاقات بينها.
في المستقبل القريب، قد يصبح التعلم الصفري حجر الأساس في بناء ذكاء اصطناعي يمكنه تجاوز حدود التخصص، والاقتراب خطوة أخرى من الإدراك البشري الحقيقي.
يُظهر التعلّم الصفري أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحرر من قيود البيانات المحددة مسبقًا، متجهًا نحو قدرات معرفية أكثر عمقًا ومرونة.
فكما يتعلم الإنسان من الوصف والسياق دون تجربة مباشرة، باتت الآلات اليوم قادرة على “التخمين الذكي” وفهم ما لم تُدرَّب عليه.
لكن السؤال الاستشرافي يبقى مطروحًا:
هل يمكن أن نصل يومًا إلى مرحلة لا تحتاج فيها الآلات إلى بيانات إطلاقًا لتتعلم شيئًا جديدًا؟
ربما يكون ذلك هو الخط الفاصل بين الذكاء الاصطناعي الضيق (Narrow AI) وولادة الذكاء الاصطناعي العام (AGI) الذي يحاكي قدرات الإنسان الفكرية في جوهرها.