مشاركة مميزة

هندسة الشرائح (Chips): ثورة 3 نانومتر التي تغيّر قواعد اللعبة

تك ستريم
المؤلف تك ستريم
تاريخ النشر
آخر تحديث

مقدمة 

تُعد رقائق أشباه الموصلات القلب النابض للعصر الرقمي، إذ تعتمد عليها الهواتف الذكية، ومراكز البيانات، والسيارات الذكية، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُعيد تشكيل العالم من حولنا. واليوم، نقف على أعتاب ثورة هندسية جديدة تُعرف بتقنية 3 نانومتر طفرة غير مسبوقة في تصغير الترانزستورات وزيادة كفاءتها

تُعد رقائق أشباه الموصلات القلب النابض للعصر الرقمي، إذ تعتمد عليها الهواتف الذكية، ومراكز البيانات، والسيارات الذكية، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُعيد تشكيل العالم من حولنا. واليوم، نقف على أعتاب ثورة هندسية جديدة تُعرف بتقنية 3 نانومتر طفرة غير مسبوقة في تصغير الترانزستورات وزيادة كفاءتها.

إنها ليست مجرد خطوة في سباق الأداء، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم الحوسبة الحديثة. ففي هذه الساحة الضيقة، تتنافس عمالقة التكنولوجيا مثل TSMC و سامسونغ و إنتل على تحقيق الريادة التقنية والسيطرة على أهم مورد استراتيجي في القرن الحادي والعشرين: القدرة على تصنيع الشرائح الأكثر تطوراً في العالم.


الخلفية التقنية

لفهم أهمية هذه الثورة، يجب أولاً أن نُدرك ما تعنيه النانومتر.

النانومتر هو جزء من مليار من المتر، ويعبّر عن المسافة بين مكونات الترانزستور، أصغر وحدة في أي شريحة إلكترونية. كلما تقلص هذا الحجم، يمكن حشر عدد أكبر من الترانزستورات في المساحة نفسها، ما يعني أداءً أعلى واستهلاك طاقة أقل.

لكن في الحقيقة، لم يعد الرقم 3 نانومتر يُشير إلى قياس فيزيائي دقيق كما كان في السابق، بل أصبح رمزًا لجيل تقني جديد يمثل ذروة التطور في الصناعة.

فبعد أجيال من تقنيات 7 نانومتر و5 نانومتر، جاءت تقنية 3 نانومتر لتُحدث قفزة حقيقية، إذ تتيح وضع عشرات المليارات من الترانزستورات على شريحة بحجم ظفر الإصبع، مما يرفع الأداء بنسبة تصل إلى 15% ويخفض استهلاك الطاقة بما يصل إلى 35% مقارنة بالجيل السابق.


كيف تُصنع شرائح 3 نانومتر؟

عملية تصنيع هذه الشرائح أشبه بجراحة ذرية معقدة، تتحدى قوانين الفيزياء نفسها.  من أهم التقنيات المستخدمة:  الطباعة الضوئية المتطرفة (EUV Lithography):   تُستخدم فيها أشعة ضوئية ذات أطوال موجية قصيرة للغاية (13.5 نانومتر تقريباً) لطباعة الدوائر الإلكترونية بدقة عالية على رقائق السيليكون. هذه التقنية تُعد العمود الفقري لتصنيع الشرائح الحديثة، لكنها في دقة 3 نانومتر تتطلب مستويات مذهلة من الدقة، وأحياناً استخدام أنماط متعددة (Multipatterning) لتحقيق التفاصيل الدقيقة دون أخطاء.  المواد المتقدمة:   لا يزال السيليكون هو المادة الأساسية، لكن يتم استخدامه بطرق جديدة مع هياكل أكثر تعقيداً. كما يجري اختبار مواد واعدة مثل الجرافين و أشباه الموصلات المركبة التي يمكن أن تحل محل السيليكون في المستقبل القريب.  التحديات الفيزيائية:   على هذا المقياس الصغير، تبدأ الظواهر الكمومية مثل تسرب الإلكترونات عبر العوازل بالظهور. هذا يسبب ارتفاع الحرارة وفقدان الكفاءة، مما يجبر المهندسين على ابتكار حلول جديدة مثل التصميمات ثلاثية الأبعاد ومواد عازلة ذات خصائص فائقة.

عملية تصنيع هذه الشرائح أشبه بجراحة ذرية معقدة، تتحدى قوانين الفيزياء نفسها.

من أهم التقنيات المستخدمة:

الطباعة الضوئية المتطرفة (EUV Lithography):

  تُستخدم فيها أشعة ضوئية ذات أطوال موجية قصيرة للغاية (13.5 نانومتر تقريباً) لطباعة الدوائر الإلكترونية بدقة عالية على رقائق السيليكون. هذه التقنية تُعد العمود الفقري لتصنيع الشرائح الحديثة، لكنها في دقة 3 نانومتر تتطلب مستويات مذهلة من الدقة، وأحياناً استخدام أنماط متعددة (Multipatterning) لتحقيق التفاصيل الدقيقة دون أخطاء.

المواد المتقدمة:

  لا يزال السيليكون هو المادة الأساسية، لكن يتم استخدامه بطرق جديدة مع هياكل أكثر تعقيداً. كما يجري اختبار مواد واعدة مثل الجرافين و أشباه الموصلات المركبة التي يمكن أن تحل محل السيليكون في المستقبل القريب.

التحديات الفيزيائية:

  على هذا المقياس الصغير، تبدأ الظواهر الكمومية مثل تسرب الإلكترونات عبر العوازل بالظهور. هذا يسبب ارتفاع الحرارة وفقدان الكفاءة، مما يجبر المهندسين على ابتكار حلول جديدة مثل التصميمات ثلاثية الأبعاد ومواد عازلة ذات خصائص فائقة.


التحول من FinFET إلى GAAFET

منذ أكثر من عقد، استخدمت الصناعة ترانزستورات FinFET التي تمتاز ببنية ثلاثية الأبعاد تمنح تحكمًا أفضل في تدفق التيار.

لكن مع تصغير الأبعاد إلى 3 نانومتر، وصلت FinFET إلى حدودها الفيزيائية. 

وهنا ظهرت التقنية الجديدة GAAFET (Gate-All-Around Field-Effect Transistor)، حيث تُحيط البوابة بالقناة من جميع الجهات، مما يقلل من تسرب التيار ويزيد من كفاءة الأداء.

سامسونغ كانت أول من اعتمدت هذه التقنية في الإنتاج التجاري تحت اسم MBCFET،

 بينما TSMC فضّلت تحسين FinFET في المرحلة الأولى من 3 نانومتر قبل الانتقال لاحقاً إلى GAAFET في تقنيات 2 نانومتر.

 أما إنتل، فتسير بخطى مختلفة مع تقنية RibbonFET التي تشترك في المفهوم نفسه، لكنها تقدم تصميمًا هندسيًا فريدًا خاصًا بها.


الفوائد الهندسية والأداء

1. تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي:

بفضل الكثافة الترانزستورية الهائلة، يمكن دمج وحدات مخصصة لمعالجة الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل المعالج، ما يسمح بتنفيذ خوارزميات التعلم العميق محلياً دون الحاجة إلى اتصال بالسحابة، وهو ما يعني سرعة أعلى وخصوصية أكبر.

2. تقليل الحرارة واستهلاك الطاقة:

في الهواتف والأجهزة المحمولة، يؤدي خفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 35% إلى عمر بطارية أطول وأداء أكثر استقراراً دون الحاجة إلى أنظمة تبريد متقدمة.

3. مراكز البيانات الأكثر كفاءة:

في عالم يعتمد على الحوسبة السحابية، تعتبر كفاءة الطاقة عاملاً اقتصادياً حاسماً. شرائح 3 نانومتر يمكن أن تقلل استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بمليارات الكيلوواط/ساعة سنوياً، مما يخفض الانبعاثات الكربونية والتكاليف التشغيلية.


التحديات الصناعية

تقنية 3 نانومتر ليست مجرد إنجاز هندسي، بل مغامرة مالية ولوجستية ضخمة:

تكاليف التصنيع:

  تكلفة بناء مصنع واحد قادرة على إنتاج شرائح 3 نانومتر تتجاوز 20 مليار دولار، إلى جانب مليارات أخرى في البحث والتطوير.

الدقة الذرية:

  في هذا المستوى من التصغير، يمكن لذرة واحدة في غير مكانها أن تتسبب في فشل الشريحة.

  لذلك تُجرى العمليات في غرف نظيفة أكثر نقاءً من غرف العمليات الجراحية بـ10 ملايين مرة.

معدلات الإنتاج الصالح (Yield):

  في المراحل الأولى، نسبة الشرائح السليمة منخفضة جداً، مما يجعل الكلفة مرتفعة لكل شريحة. ومع تحسن عمليات التصنيع بمرور الوقت، تتحسن العوائد تدريجياً.


اللاعبون الرئيسيون

TSMC – التايوانية الرائدة: تتربع على عرش صناعة أشباه الموصلات، حيث بدأت الإنتاج التجاري لتقنية 3 نانومتر في أواخر 2022، وتستخدمها آبل في معالج A17 Bionic لهواتف آيفون 15 برو.  سامسونغ – المنافس الكوري الجريء: بدأت إنتاجها المبكر في منتصف 2022 باستخدام تقنية GAAFET، وتهدف إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 45% وتحسين الأداء بنسبة 23%.  إنتل – العودة إلى المنافسة: تُراهن على تقنية Intel 3 التي تمثل تطويراً لتقنية FinFET، وتسعى عبرها لاستعادة مكانتها في السوق بحلول 2025، خاصة مع مشاريعها الجديدة في أوروبا وأمريكا.

TSMC – التايوانية الرائدة:

تتربع على عرش صناعة أشباه الموصلات، حيث بدأت الإنتاج التجاري لتقنية 3 نانومتر في أواخر 2022، وتستخدمها آبل في معالج A17 Bionic لهواتف آيفون 15 برو.

سامسونغ – المنافس الكوري الجريء:

بدأت إنتاجها المبكر في منتصف 2022 باستخدام تقنية GAAFET، وتهدف إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة 45% وتحسين الأداء بنسبة 23%.

إنتل – العودة إلى المنافسة:

تُراهن على تقنية Intel 3 التي تمثل تطويراً لتقنية FinFET، وتسعى عبرها لاستعادة مكانتها في السوق بحلول 2025، خاصة مع مشاريعها الجديدة في أوروبا وأمريكا.


تطبيقات ثورة 3 نانومتر

تطبيقات ثورة 3 نانومتر

الهواتف الذكية:

  المعالجات الحديثة مثل A17 Bionic و Snapdragon 8 Gen 4 ستقدم أداءً أقوى في التصوير، والألعاب، والذكاء الاصطناعي التفاعلي.

الحواسيب الشخصية:

  شرائح Apple M3 و Intel Core Ultra القادمة ستجعل الحواسيب المحمولة أسرع وأقل استهلاكاً للطاقة.

السيارات ذاتية القيادة والروبوتات:

  هذه الشرائح تمكّن الأنظمة من معالجة كميات ضخمة من بيانات الكاميرات والمستشعرات في الوقت الفعلي، مما يعزز دقة التوجيه والسلامة.


الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

شرائح 3 نانومتر أصبحت سلاحاً استراتيجياً في الحرب التكنولوجية بين القوى العظمى:

العقوبات على الصين:

  منعت الولايات المتحدة الشركات الصينية مثل SMIC من الحصول على معدات EUV، مما أعاق تقدمها نحو 3 نانومتر.

  رغم ذلك، تسعى الصين جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي عبر مبادرات ضخمة واستثمارات حكومية.

سلاسل التوريد العالمية:

  أظهرت جائحة كوفيد-19 هشاشة هذه السلاسل، مما دفع الدول إلى الاستثمار في التصنيع المحلي، مثل قانون CHIPS Act الأمريكي الذي خصص أكثر من 50 مليار دولار لدعم الصناعة المحلية.

الاعتماد على آسيا:

  لا تزال تايوان وكوريا الجنوبية تُنتجان أكثر من 70% من الشرائح المتقدمة في العالم، ما يجعل المنطقة مركزًا حساسًا لأي اضطراب جيوسياسي.


المستقبل بعد 3 نانومتر

السباق لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل بدأ بالفعل نحو:

تقنية 2 نانومتر:

  متوقعة في عام 2025، وستعتمد كلياً على GAAFET وهياكل Nanosheet الأكثر تطوراً.

المواد الجديدة:

  مواد مثل ثنائي كبريتيد الموليبدينوم (MoS₂) و الجرافين قد تحل محل السيليكون التقليدي عندما نصل إلى حدوده الفيزيائية القصوى.

الاندماج مع الحوسبة الكمومية:

  قد تُمكّن الدوائر النانوية من دعم التحكم الدقيق في البتات الكمية (Qubits)، لتقريب المسافة بين المعالجات الكلاسيكية والكمية.


الخاتمة

تقنية 3 نانومتر ليست مجرد رقم جديد في سباق التصغير، بل ثورة متكاملة في علم المواد، والهندسة الإلكترونية، والتصميم الذكي.

إنها تمثل النقطة التي يلتقي فيها الإبداع البشري بالحدود الفيزيائية للطبيعة، حيث تتحول الذرات إلى أدوات للحوسبة.

وفي الم يُقاس فيه التفوق التكنولوجي بسرعة المعالج وكفاءته، فإن الدول والشركات التي تتقن فن هندسة الشرائح ستكون بلا شك قوى المستقبل الحقيقيّة.



المصادر

  1. TSMC — 3nm Technology (Official)

    صفحة رسمية من TSMC تعرض تفاصيل تقنية 3nm ونقاط القوة ومراحل الإنتاج.

  2. Samsung News — بدء إنتاج 3nm باستخدام بنية GAA (MBCFET)

    إعلان سامسونغ حول بدء الإنتاج المبكر لتقنية 3 نانومتر ونتائج التحسين في الأداء والطاقة.

  3. ASML — EUV Lithography Systems

    معلومات رسمية عن أنظمة الطباعة الضوئية المتطرفة (EUV) التي تشكل العمود الفقري لتقنيات 5nm و3nm.

  4. Wikipedia — 3 nm process

    مقال مرجعي يجمع تطورات الصناعة، إعلانات الشركات، وأرقام مقارنة للأجيال العقدية مثل 5nm/3nm.

  5. Wikipedia — Apple A17 (معلومات عن الصُنع والتكنولوجيا)

    تفاصيل عن معالج Apple A17 الذي صُنع بواسطة TSMC بتقنية 3nm (مراجع تقنية ونقاط عدّ الترنزستورات).

  6. XDA Developers — شرح خارطة طريق Intel (Intel 7/4/3/20A)

  7. Wikipedia — Extreme ultraviolet lithography (EUV)

    مرجع تقني عن أساسيات EUV، طول الموجة (13.5 نانومتر)، ومبدأ العمل.

  8. Wikipedia — CHIPS and Science Act (قانون CHIPS الأمريكي)

    معلومات عن الحوافز والتمويل الحكومي الأمريكي لتعزيز التصنيع المحلي لأشباه الموصلات.

  9. Reuters — شحنة آلات High-NA EUV من ASML

    خبر اقتصادي يوضح أهمية آلات High-NA في إنتاج أجيال لاحقة من الشرائح (مصدر إخباري موثوق).

  10. PhoneArena — تقارير حول Snapdragon 8 Gen 4 وإمكانية إنتاجه على 3nm

    تغطية إخبارية/تسريبات حول عقد تصنيع شرائح سنابدراجون على عقدة 3 نانومتر (مصادر الصحافة التكنولوجية).


تعليقات

عدد التعليقات : 0